احمد البيلي

101

الاختلاف بين القراءات

اعتبرت غزوة « تبوك » التي لم يلتحم فيها جيش المسلمين بجيش الرومان ، نصرا للإسلام فرح به المؤمنون للآثار التي ترتبت عليه « 57 » . وفي ضوء ما تقدم ، يتضح للقارئ ، أن الرومان لم يكونوا بعد بضع سنين ، غالبين ومغلوبين لأمة واحدة ، وفي وقت واحد ، حتى تكون القراءتان متعارضتين إلى أبعد مدى كما قال « كولد صهر » فقد كان « الرومان » مغلوبين للفرس في سنة ( 616 م ) ثم كانوا غالبين لهم بعد بضع سنوات ، أي في سنة ( 625 م ) ثم كانوا مغلوبين للمسلمين بعد بضع سنوات أيضا من تاريخ انتصارهم على الفرس ، وذلك في حرب كادت أن تقع بين المسلمين والروم في سنة ( 629 م ) فأين التناقض بين مدلول القراءتين ؟ ! لقد غاب عن ذهن « كولد صهر » - وهو تحت وطأة الرغبة الجامحة في مهاجمة القرآن - معنى التناقض في علم المنطق إذ هو : اختلاف القضيتين إيجابا وسلبا مع وحدة الزمان والمكان ، بأن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة كأن يقال « الخرطوم » عاصمة السودان في الوقت الحاضر ( 1404 ه - 1984 م ) فنقيض هذه القضية أن يقال : « الخرطوم ليست عاصمة السودان في الوقت الحاضر » . وعليه فلا تناقض بين « الخرطوم عاصمة السودان في الوقت الحاضر » و « الخرطوم لم تكن عاصمة السودان في القرن العاشر الهجري » لاختلاف الزمان في القضيتين « 58 » . ولا يوجد تناقض بهذا المعنى بين القراءات المتواترة من جهة والقراءات الشاذة من جهة أخرى ، إنما يوجد تعدد ، تارة في الصور اللفظية وتارة في وجوه المعاني أو الوقائع التاريخية . وليس بينها تنافر أو تضاد كما سيراه القارئ مبسوطا في فصل ( الاختلاف اللغوي ) والفصول التالية له .

--> ( 57 ) سيرة ابن هشام 2 / 515 وابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 274 وابن العماد : شذرات الذهب 1 / 13 . ( 58 ) أثير الدين الأبهري : إيساغوجي ص 284 ( ضمن مجموعة المتون ) .